هناء الحمادي (أبوظبي)

قصص وحكايات ارتبطت في ذاكرة الكثير من الآباء والأجداد، وتجارب حية ما زالت محفورة في الذاكرة عن «زمن لوّل»، ومنها دخول القيظ الذي ارتبط بموسم نضج وجني الرطب وثمرة الهمبا واللومي، وصوت «الصرناخ»، الذي يعد من الحشرات المحلية المعروفة في البيئة الإماراتية التي لا يتوقف صفيرها إلا مع غروب الشمس.
«الصرناخ» أو الصرّاخ أو الصياح، أو غيرها من الأسماء التي أطلقت على هذه الحشرة، تعيش 40 يوماً للتزاوج وبعد ذلك تموت، وهي ذات صوت حاد وعالٍ، تطلق صيحاتها في مثل هذه الأيام من كل عام، قبيحة المنظر صوتها العالي مزعج، ولا يعرف الهدوء ليلاً ونهاراً.

دخول القيظ
المزارع خلفان النقبي من أهالي منطقة اللؤلؤية في خورفكان، والذي يسمع صوت «الصرناخ» بشكل يومي في مزرعته، يقول: «مع سماع صوته يعني ذلك دخول القيظ الذي بدأ يتسلل لنا بحرارته الملتهبة، مبيناً أن هذه الحشرة تتغذى على جذوع الأشجار، وعندما تكبر تقوم بامتصاص السوائل من جذوع ولحاء الشجر، وهي تضع بيضها في التشققات بين جريد النخيل مثلاً، ويقتصر ضررها على موضع البيض، حيث تختلف أنواعها باختلاف المناطق، والمعروف أن هذه الحشرة تنتشر في كل مناطق العالم، بينما تتعدد أشكالها وألوانها حسب المنطقة، لكن تبقى من أجمل الحكايات التي ارتبطت بأيام زمان.

هدية للأطفال
بالرجوع إلى ذاكرة الستيني سالم الظنحاني من الفجيرة، يقول: «هذه الحشرة كانت تمثل لنا في يوم ما، لعبة من ألعاب الأطفال، حيث يتسارع الجميع إلى الإمساك بها وهي على جذع الأشجار لتخويف الصبيان أو الأخوات الصغار»، ويقول: «لا نرى سوى ركض الجميع من هذه الحشرة التي تتصف بقبح شكلها وهي تحرك أجنحتها بسرعة كبيرة». لافتاً: «كنا نستمتع بأجواء الصيف ونحن نستحم في أحواض المزرعة، حيث نلتقط حبات الهمبا أو حبات اللوز، ورغم بساطة تلك الأيام، فإننا كنا نستمتع بسماع صوت «الصرناخ» وهي على الأشجار، وقد يصعد البعض للإمساك بها ووضعها في قوارير زجاجية.
ويضيف الظنحاني: «هذه الحشرة تختلف ألوانها وأشكالها حسب البيئة التي تعيش فيها ولها مسميات عدة، لكن الصرناخ هو الاسم الشعبي لها، وفي الساحل الشرقي تسمى «السراح»، وفي جبال الإمارات «الزناخ»، أما عند أهل رأس الخيمة فتسمى «الزرنيخ» وفي روايات قديمة، يقال إن هذه الحشرة كانت من أجمل الهدايا التي كانت تقدم للأطفال في تلك الفترة».

دورة حياة غريبة
بدوره، يروي سعيد المعمري، الذي يبحث دوماً عن هذه الحشرة في محمية وادي الوريعة للإمساك بها، قصة تلك الحشرة التي كان يسمعها من أجداده، ويقول «لها دورة حياة غريبة فهي تحفظ بيوضها في لحاء الشجر لأعوام طويلة، قبل أن تظهر على شكل نقاء ماء تلتصق بلحاء الشجرة عدة أيام لتكون يرقة غريبة، وبعد أيام أخرى يتشقق جدار اليرقة ليخرج «الصرناخ» ويلتصق بمكان قريب من يرقته الجافة، وينمو ليصل طوله إلى 3 إنشات تقريبا، والغريب أن ذكور الصرناخ تصرخ منادية الأنثى التي تكون صامتة فعلاً طوال فترة التلاقح، ثم تطير لتضع بيوضها داخل لحاء الأشجار وتلتصق بجوارها إلى أن تموت، وإذا اقترب أحد ما للمسها تحاول الدفاع عن نفسها بإفراز نقطة من الماء لا تؤذي وهذا أقصى دفاعها».
ويبين المعمري «الجميل في الأمر أن البعض يقصدون مناطق يكثر فيها الصرناخ لجلبها لإعطائها للأطفال «كهدية» معبأة في علب تكون بمثابة هدية لترتسم علامات الفرح على الأطفال حين يقومون بتخويف بعضهم بعضاً وهم يركضون في الفريج غير مبالين بحرارة الجو والشمس الحارقة.

حشرة طريفة
وصف الكاتب والباحث الإماراتي في التراث عبد العزيز المسلم في كتابه «الذاكرة الشعبية» عن حشرة الصرناخ، بقوله إنها حشرة طريفة قبيحة الشكل، مزعجة غريبة الأطوار، وقد ربط أهالي المنطقة صفيرها بموسم «القيظ»، فلا نسمع صفيرها إلا مع بداية فصل الصيف.